ثم إنَّنَا لو دقَّقْنا النَّظَر في كَثِيرٍ من النَّاس
في عَالَمِنَا الإِْسْلاَمِيِّ إلاَّ من رَحِم رَبِّي لوجدناهم من هذه
الأَْصْنَافِ، فَلَم يَبْق إذَنْ من الإسلام إلاَّ اسْمُه.
وقَوْلُه: «وَمنَ الْقُرْآنِ إلاَّ رَسْمُهُ» على الرَّغْم من وُجُود الْقُرْآن
في الْمَصَاحِف، ولم يُغَيَّر منه شَيْءٌ، فهو بَاقٍ كما أُنْزِل على مُحَمَّدٍ
صلى الله عليه وسلم، فَرَسْمُه مَوْجُودٌ، ولكنَّ مَعْرِفَتَه وَالْعَمَلَ به
مَفْقُودٌ.
وَلِيس الْمُرَاد من وُجُود الْقُرْآن حِفْظَه أو
تِلاَوَتَه أو تَجْوِيدَه، وإنَّما الْمُرَاد تَدَبُّرُه وَالْعَمَلُ بما فيه،
فإذا ذَهَب التَّدَبُّر وَالْعَمَلُ به لم يَبْق إلاَّ وُجُودُ الْمَصَاحِف، وهذا
لا يُجْدِي شيئًا، كَوُجُود السِّلاَح مع الإِْنْسَان الذي لا يُحْسِن
اسْتِعْمَالَه، فإذا غَدَا عليه عدُوٌّ لا يَسْتَخْدِمُه، وهذا لا يُفِيد شيئًا،
وهذا يُشْبِه وُجُود الْقُرْآن عند من لا يَعْمَلُون بما فيه ولا يَفْقَهُون
معانيَهُ.
وقَوْلُه: «مَسَاجِدُهُم عَامِرَةٌ وهي خَرَابٌ من الْهُدَى» وهذه صِفَةٌ
أُخْرَى من صِفَات هَؤُلاَء النَّاس، فهم يَبْنُون الْمَسَاجِد ويُزخْرِفونها،
وَلِكِنَّهَا خَالِيَةٌ من ذكر الله ولا يُدرَس فيها الْعِلْمُ، بل ليس فيها
صَلاَةٌ؛ لأنَّ بَعْض الْمَسَاجِد مُغْلَقَةٌ ولا يُصَلَّى فِيهَا، فَالْمَسَاجِد
خَرِبَت من الْهُدَى، وَلِكِنَّهَا عَامِرَةٌ بِالْبُنْيَان، والله جل وعلا
يَقُوْل. ﴿إِنَّمَا
يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ
وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ﴾ [التوبة: 18] هذه هي عِمَارَة الْمَسَاجِد.
وَقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧﴾ [النور: 36- 37].