×
البيان لأخطاء بعض الكُتَّاب الجزء الثالث

والموتِ: فالحياةُ لها أحكامٌ، والموتُ له أحكامٌ، الإتيانُ الذي تركُوه، ولامَهُم اللهُ على تَرْكِهِ إِنَّما هو في حياتِه صلى الله عليه وسلم فلوْ أنَّهم حِينما حصلَ مِنهم ما حصلَ مِن طلبِ تَحْكِيم غيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أتَوْهُ مُعتذِرِينَ مُسْتَغْفِرِينَ لَغَفَرَ اللهُ لَهُمْ، واللهُ تعالى قالَ لِنَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ [محمد: 19]، فالآيةُ لا عُمومَ لها كَما ادّعيته، بل هِي خاصَّة في قضِيَّةِ مُعيِّنَة انتهت، وانقضَتْ.

الأمرُ الثّاني: أنَّ الصحابة لمْ يفهمُوا هذا الذي فهِمْتَهُ أنتَ ومَن ذكَرْتَ معك، فما كانوا يأتونَ إلى قبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ويطلبونَ منه الاستغفارَ والدُّعاءَ لهُم، بل كانوا إذا أشكلَ عليهم أمرٌ عامٌّ أو خاصٌّ لا يذهبونَ إلى قبرِهِ، ويسْألُونَهُ كما كان ذلكَ مِنهم معه في حياتِه صلى الله عليه وسلم، بل كانُوا يسألونَ العُلَماءَ مِن الصَّحابَةِ، ولمَّا أجْدَبُوا، واستغاثُوا رَبَّهُم في عهدِ عُمرَ رضي الله عنه لم يذْهَبُوا إلى قبرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يطلبونَ مِنه أن يَدْعُوَ اللهَ لهم بِنُزُولِ الغَيْثِ، وإنَّما طلبَ عمر مِن العباسِ بنِ عبد المطلب عَمِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ يدعُوَ اللهَ فدَعا لهم، فلِماذا عدَلُوا عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى عمِّهِ العباس؟ لماذا يعْدِلُون عن الفاضلِ إلى المَفْضولِ؛ إلاَّ لأنَّ المَيِّتَ لا يُطْلَبُ مِنهُ شيءٌ، والصحابةُ همُ القُدْوةُ في القرآنِ والسُّنَّةِ، وعملُهم حُجَّةٌ لِقَولِهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» ([1])، وأمَّا عَمَلُ غيرِهم فليسَ حُجَّةً إلاَّ إذا قامَ عليهِ دليلٌ صحيحٌ من كتابِ اللهِ أو سُنَّةِ رَسُولهِ صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ([2]).


الشرح

([1])أخرجه: أبو داود رقم (4607)، وابن ماجه رقم (42)، وأحمد رقم (17144).

([2])أخرجه: مسلم رقم (1718).