×
أضواء من فتاوى ابن تيمية الجزء الأول

 إعراضَ مَن لا يعدُّه من الدِّينِ فتقَع بينهما العداوَةُ والبغضَاءُ، وقَدْ أمرَ اللهُ بطهارَةِ الظَّاهِرِ والباطِنِ؛ طهارة الظَّاهِرِ من الحَدثِ والنَّجاسَةِ، وطهَارَة الباطِنِ من الشِّرْكِ والكُفْرِ والنِّفَاقِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ [التوبة: 28] ، وقَالَ تَعَالَى: {أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ [المائدة: 41] .

قَالَ الشَّيْخُ: فنَجِدُ كثيرًا من المُتفقِّهَةِ والمتعبِّدَةِ إِنَّمَا هِمَّتُه طَهارَة البدَنِ فقط، ويزِيدُ فِيهَا عَلَى المَشْرُوعِ، لا يفهم من الطَّهَارَة إلاَّ طهارَة البدَنِ! ونجِدُ كثيرًا من المتصوِّفَةِ هِمَّتُه طهارَة القَلبِ فقط حَتَّى يَزِيدَ فِيهَا عَلَى المشروعِ ويتركَ من طهارَةِ البدنِ ما أُمِرَ به إيجَابًا أو استِحْبَابًا.

فالأوَّلُونَ يخرُجونَ إِلَى الوَسْوسةِ المذْمُومةِ: فِي كثرَةِ صَبِّ الماءِ وتنجِيسِ ما لَيْسَ بنجسٍ، واجتِنَابِ ما لا يُشرَعُ اجْتِنَابُه، مع اشتِمَالِ قُلوبِهِم عَلَى أنواعٍ من الحَسَدِ والكِبْرِ والغلِّ لإخْوَانِهِم، وفي ذَلِكَ مُشابَهةٌ بيِّنَةٌ لليَهودِ.

والآخَرُون يُبَالِغُون فِي سلاَمَةِ البَاطِنِ ويَجْعلُونَ الجَهْلَ بما تَجِبُ معرِفَته من سلامَةِ البَاطِنِ، ومع هَذَا الجهلِ قد لا يَجْتنِبُونَ النَّجاساتِ ولا يفعَلُونَ الطَّهَارَةَ الواجِبَةَ مُضَاهاةً للنَّصارَى، وتقَعُ العدَاوَةُ بين الطَّائِفَتينِ بسَبَبِ تَركِ حَظٍّ ممَّا ذُكِّرُوا به، وبسَبَبِ البَغْيِ الَّذِي هو مُجَاوَزةُ الحَدِّ.

ثُمَّ ذَكَرَ رحمه الله آيَاتٍ فِي النَّهيِ عَنِ التَّفرُّقِ وبيانِ أسبَابِه، ثُمَّ قَالَ: فظهَرَ أنَّ سببَ الاجْتِمَاعِ والأُلفةِ جمعُ الدِّينِ والعملِ به كُلِّه، وهو عبَادَةُ اللهِ وَحدَهُ لا شَرِيكَ له كَمَا أمر به بَاطنًا وظَاهرًا. وسَببُ الفُرقَةِ تَركُ حَظٍّ ممَّا أُمِرَ به العَبْدُ والبَغِيُ، ونتيجَةُ الجماعَةِ: رَحمةُ اللهِ، ورُضوَانُهُ، 


الشرح