×
أضواء من فتاوى ابن تيمية الجزء الأول

 أجَمعُ لِشَرَائِطِ القُدوَةِ والإمَامَةِ مِن غَيرِهِم وأكثر لتَحصِيلِ أسبَابِها وأَدَواتِها: مِن جَودَةِ الحِفظِ والبَصِيرَةِ والفِطنةِ والمَعْرِفَةِ بِالكِتَابِ والسنَّةِ والإجْمَاعِ، والسنَّدِ والرِّجَالِ والأَحْوَالِ ولُغَاتِ العَرَبِ ومَوَاضِعِها، والتَّاريخِ والناسِخِ والمَنْسُوخِ، والمَنْقُولِ والمَعْقُولِ، والصَّحِيحِ والمَدخُولِ فِي الصدقِ والصَّلابَةِ وظُهورِ الأمانَةِ والدِّيَانةِ مِمَّن سِواهُم، قال: وإنْ قَصَّر واحِدٌ مِنهم فِي سببٍ مِنها جَبرَ تَقْصِيرَه قُربُ عصرِهِ مِن الصحَابَةِ والتابِعينَ لَهم بإحسانٍ؛ بَايَنَوا هَؤلاءِ بِهَذا المَعنى مَن سَواهُم، فإنَّ غَيرَهُم مِنَ الأئِمَّةِ وإنْ كَانُوا فِي مَنْصِبِ الإمَامَةِ لكنْ أَخْلُّوا بِبَعضِ مَا أَشَرتُ إِلَيهِ مُجمَلاً مِن شَرَائِطِهَا.

قَالَ: وَوَجْهٌ ثَالِثٌ لا بُدَّ مِن أنْ نُبَيِّنَ فِيه، فَنَقُولُ: إِنَّ فِي النقلِ عَن هَؤُلاءِ إِلْزَامًا للحُجَّةِ عَلَى كُلِّ مَن يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ إِمامٍ يُخَالِفُه فِي العَقِيدةِ فَإنَّ أَحَدَهُما لا مَحَالَةَ يُضَلِّلُ صَاحِبَهُ أو يُبَدِّعُه أو يُكَفِّرُه، فانْتِحَالُ مذهَبِه معَ مُخَالَفَتِه له فِي العَقِيدةِ مُسْتَنكَرٌ - واللهِ - شَرعًا وعَقلاً، فمَن قَال: أنا شَافِعيُّ الشَّرعِ أَشْعَرِيُّ الاعتِقَادِ، قُلنا لَه: هَذَا مِنَ الأضْدَادِ، لا بلْ مِنَ الارتِدَادِ؛ إِذ لَم يَكُنِ الشَّافِعِيُّ أَشْعَرِيَّ الاعتِقَادِ.

ومَن قَال: أَنا حَنْبَلِيٌّ فِي الفُروعِ مُعْتَزَلِيٌّ فِي الأُصُولِ؛ قُلنا: قَد ضَلَلْتَ إذًا عَن سَواءِ السبيلِ فِيمَا تَزعُمُه، إِذ لَمْ يَكُن أَحْمَدُ مُعْتَزَلِيَّ الدِّينِ والاجْتِهَادِ.

قَالَ الكَرجِيُّ: وقد افْتَتَنَ أيْضًا خَلقٌ مِن المَالِكِيَّةِ بِمَذاهِبِ الأَشْعَرِيَّةِ وهذهِ واللهِ سُبَّةٌ وعَارٌ، وفَلتَةٌ تَعُودُ بالوَبالِ والنَّكَالِ وسُوءِ الدَّارِ، على مُنْتَحِلِ مَذاهِبِ هَؤلاءِ الأَئِّمَةِ الكِبارِ، فَإنَّ مَذْهَبَهُم ما رُوينَاهُ مِن تَكفِيرِهِم الجَهمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ والقَدَرِيَّةِ والوَاقِفيَّةِ، وتَكْفِيرِهِم اللفظيَّةِ، إلى أنْ قال:


الشرح