×
إِيضَاحُ العبَارَاتِ فِي شَرْحِ أَخْصَرِ المُختَصَراتِ الجزء الأول

 والذين يَقُولُونَ الآنَ: إن الفِقْه لَيْسَ لَهُ قيمةٌ وأنه أَقْوَال رِجَالٍ، ويزهدون فِي الفِقْه، هَؤُلاَءِ من الجِنْس المحروم، الَّذِينَ حُرِموا الفِقْه وصاروا يبغضونه، ومَن جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ؛ كما فِي المَثَلِ، ولو تَذَوَّقُوا الفِقْهَ لوَجَدُوا فيه الحلاوة واللَّذَّةَ واستراحوا لَهُ، لَكِن لَمَّا أَعرَضُوا عَنْهُ واحتَقَرُوه حُرِمُوا مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُول: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ([1]) فَدَلَّ عَلَى أنه لَيْسَ كل النَّاس يحوزون هَذِهِ المَيْزَةَ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَحُوزها مَن أَرَادَ اللهُ به الخَيْر، فَإِذَا رَأَيتَ الرَّجُل يتفقه فِي الدِّين ويَحرِص عَلَى الفِقْه فَهَذِهِ علامةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ أَرَادَ به خَيْرًا، وَإِذَا رأيتَ الرَّجُلَ مُعرِضًا وزاهدًا فِي الفِقْه فَهَذِهِ علامةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ لم يُرِدْ به خَيْرًا، وَقَالَ سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ [التوبة: 122]، والنفور قِيلَ: مَعْنَاه الخُرُوج للجهاد فِي سَبِيل الله؛ لأن الَّذِي يَخرُج يجاهِد فِي سَبِيل الله يَتَفَقَّهُ فِي الدِّين، ويَعرِف الأَحْكَامَ، وَقِيلَ: مَعْنَاه الرَّحِيل لِطَلَبِ العِلْمِ؛ لأَِنَّهُم كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَرحَلُون من البوادي ومِن القُرَى إِلَى المَدِينَة لِيَتَعَلَّمُوا مِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، ودَرَجَ عَلَى هَذَا المُسْلِمُونَ، فَكَانُوا يَرحَلُون لِطَلَبِ العِلْمِ والتَّفَقُّهِ فِي دِينِ اللهِ أينما وَجَدُوهُ رَحَلُوا إِلَيْهِ. والمُتَفَقِّهُ لا يَكتُمُ العِلْمَ، بل يستفيد مِنْهُ هُوَ ويُفِيدُ مِنْهُ غَيْرَهُ، وَلِهَذَا قَالَ سبحانه وتعالى: ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ، فالعلم لَيْسَ لكَ وحدك، بل واجبٌ عَلَيْك


الشرح

([1]) أخرجه: البخاري رقم (71)، ومسلم رقم (1037).